علّمونا أن نخاف

عَلَّمونا أن نخاف..

IMG-20160123-WA0026تجليّات  الخوف عديدة وأعراضه مختلفة وأسبابه ومسبّباته كثيرة. علّة بين العلل عالي المقام، ومسمّم السهام والسنان. له ألف قناع وقناع ويتلوّن بتلوّن الظروف والأيام.. كاره الضوء، طارد الحلم، وخليل وسادة الأوهام.

 الخوف، سارق المتعة من حياة صاحبها وسالب النعمة في عتمة ناظرها. وحين يتمكّن من الإنسان، يصبح هو الكائن الحيّ، ويصبح الإنسان له ظلًّا.

والخوف صديق المرض وعشيق الوهم ورفيق الوهن. هو عدوّ الفرح والمرح والاستقرار.

الخوف والزمن حليفان: الأوّل يمدّد وقت الثاني مطيلًا بعمره اللامتناهي لوعةً في انتظار الآتي، والثاني يضخّم حجم الأوّل، على حساب قوّة السكينة الكامنة في الطمأنينة، لأنّه يكبر بتآكلها، ليجعل الإنسان راضخًا مستسلمًا ضعيفًا، معلنًا موت أعصاب الأحلام والآمال، فيكون في المرصاد الخلل والفشل والملل . 

لقد علّمونا أن نخاف من الحقيقة وقولها لأنّها قد تؤدي إلى العمى، فأوقعونا في كهوف الخيبة والرؤية في ضبابيّة الظلال، ولم يعلّمونا أن الكذب على الذات هو العمى الحقيقي.

علّمونا أن نخاف حين نفرح كثيرًا، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى كمّ من الأحزان المريرة. ولم يعلّمونا أنّ الحزن طاقة سالبة مملوءة بالتشاؤم وتهزم بالتفاؤل.

علّمونا أن نخاف من الضحك، وإلّا ستحسب منّا رخصة الرصانة والثقافة التي تتطلّب الكآبة والوجوم. ولم يعلمونا أنّ الرصانة هي عفويّة التعبير في ثقافة الفطرة.

علّمونا أن نخاف من المطامح لأنّها مطامع، ولم يعلّمونا أنّ كيف نميّز بينهما.

علّمونا أن نخاف من التجارب والإقدام لأنّ الفشل سيكون لنا بالمرصاد لتقرع بعدها أجراس الشامتين المنتظرين سهواتنا، ولم يعلّمونا أن النجاحات لا تولد إلا من رحم السقطات.

علّمونا أن نخاف من العتمة حين يحلّ الليل، من الآخر، من الشرّ، ولم يعلّمونا أن نخاف من عتمة قلوبنا والشرّ في دواخلنا.

علّمونا أن نخاف من الموت، ولم يعلّمونا أنّه عبور إلى الحياة.

علّمونا أن نخاف من الله، وأن نعبده خوفًا منه على مصالحنا ومصائرنا ولم يعلّمونا أن نعبده حبًّا به وأنّ الحبّ غاية وجودنا ووجود الكون.

علّمونا أن نخاف من الحبّ لأنّه كاسر للقلوب خؤون، ومفقد للعقول لعوب، ولم يعلّمونا أنّه أجمل عطايا الله به تتمّ أعجوبة الحياة وأغرودة الفرح.

لا يُقضى على الخوف بالاختباء عنه ولا بالهروب منه، لأنّه يغتذي من الاثنين. أمّا البوح به فيزيد من ثقل مروره ورعونة غروره.

إلّم يحمل الإنسان الخوف في قلبه، لن يحمله في عقله وكيانه، لن يجرؤ أن يطارده، لأنّه لم يجنّسه في بلاد أحلامه، ولم يرحّب به لاجئًا أونازحًا أو حتى ضيفًا عابرًا….

أمّا إذا سمح له بالعبور، فسيحمله هو لاحقا، ساخرًا منه ليجعله له عنوانًا ومسكنًا..آتيًا معه بكلّ الوساوس والمخاوف والمآزم، ليوهمه بأنّه حليف السلامة ومدبّر الهروب الى الأمام.

ما الحلّ والخوف مقلق الوجود ؟

قد يكون الحلّ وعي قيمة اللحيظات وتصنيع وقت الأمل بخواتيم سعيدة بالطريقة التي يراها المرء مناسبة له، أكانت إيمانًا أو شجاعة أو تسليمًا بما لا يد له فيه.

ويتطلّب طرد الخوف خوض المغامرة التي تفرضها الظروف بكامل الثقة بالذات أوّلًا وتاليًا بالآخر…

فلكلّ مرحلة رجالاتها…لهذا تكبر الشجاعة في العقل الذي يتحكّم بالأفعال وردّات الأفعال المبنيّة على إدراك يعرف ماهيّة النتائج.

ليست المغامرة القفز في المجهول والتنصّل من المسؤوليات المترتبة وتعليقها على علّاقة الظرف والحظ، بل هي تجاوز الخوف في عيون من تشدّ المرء إليهم مشاعر الأخوّة والإنسانيّة ومحاولة تبديله بيقين التخطّي في شريعة المنطق تحقيقًا لخلاص جمعيّ لا يؤمن بالخلاص الفردي.

لأنّ الخوف وباء معدٍ، ينتقل بمرور النظرة ويستغلّ ضعف اللمحة.

فتنقلب المغامرة هنا إلى اتخاذ أفضل الممكنات من القرارات في لحظة المباغتة حيث التوقّع يتحوّل واقعًا والشجاعة حينها تكون بتقبّل النتائج والعيش بموجب ما يمكن أن ينطلق منها.

والتسلّح بالشجاعة يكون بالصمود في وجه من يخيف أكان ظرفا أوشخصا أوثرثرة أو موقفًا. بقمع صور انكساراتنا غير المدعوّة الى مائدة الحاضر، وعدم استحضار ماضي هزائمنا القديمة من قبورها.

لا يُهزم الخوف بالصراخ ولا بالصمت الواشي المتقنّع بالحكمة الزائفة، بل يهزم بالمعرفة. ففي المعرفة يكمن المنطق، وللمنطق كامل الغلبة على الوهم، وحين يهزم الوهم، ينسحب الخوف الذي لا يعود ثمّة حجّة لبقائه ولا حاجة، فيخجل ويغيب، وربّما ليتقنّع بوجه آخر…أو ليقبض على ضعيف آخر.

فلا يمكن أن يُهزم الخوف إلّا بأقانيم ثلاثة: حبّ وإيمان ومعرفة.

 

IMG-20160123-WA0026

علّمونا أن نخاف


تجليّات  الخوف عديدة وأعراضه مختلفة وأسبابه ومسبّباته كثيرة. علّة بين العلل عالي المقام، ومسمّم السهام والسنان. له ألف قناع وقناع ويتلوّن بتلوّن الظروف والأيام.. كاره الضوء، طارد الحلم، وخليل وسادة الأوهام

 الخوف، سارق المتعة من حياة صاحبها وسالب النعمة في عتمة ناظرها. وحين يتمكّن من الإنسان، يصبح هو الكائن الحيّ، ويصبح الإنسان له ظلًّا.

والخوف صديق المرض وعشيق الوهم ورفيق الوهن. هو عدوّ الفرح والمرح والاستقرار.

الخوف والزمن حليفان: الأوّل يمدّد وقت الثاني مطيلًا بعمره اللامتناهي لوعةً في انتظار الآتي، والثاني يضخّم حجم الأوّل،IMG-20160123-WA0026 على حساب قوّة السكينة الكامنة في الطمأنينة، لأنّه يكبر بتآكلها، ليجعل الإنسان راضخًا مستسلمًا ضعيفًا، معلنًا موت أعصاب الأحلام والآمال، فيكون في المرصاد الخلل والفشل والملل . 

لقد علّمونا أن نخاف من الحقيقة وقولها لأنّها قد تؤدي إلى العمى، فأوقعونا في كهوف الخيبة والرؤية في ضبابيّة الظلال، ولم يعلّمونا أن الكذب على الذات هو العمى الحقيقي.

علّمونا أن نخاف حين نفرح كثيرًا، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى كمّ من الأحزان المريرة. ولم يعلّمونا أنّ الحزن طاقة سالبة مملوءة بالتشاؤم وتهزم بالتفاؤل.

علّمونا أن نخاف من الضحك، وإلّا ستحسب منّا رخصة الرصانة والثقافة التي تتطلّب الكآبة والوجوم. ولم يعلمونا أنّ الرصانة هي عفويّة التعبير في ثقافة الفطرة.

علّمونا أن نخاف من المطامح لأنّها مطامع، ولم يعلّمونا أنّ كيف نميّز بينهما.

علّمونا أن نخاف من التجارب والإقدام لأنّ الفشل سيكون لنا بالمرصاد لتقرع بعدها أجراس الشامتين المنتظرين سهواتنا، ولم يعلّمونا أن النجاحات لا تولد إلا من رحم السقطات.

علّمونا أن نخاف من العتمة حين يحلّ الليل، من الآخر، من الشرّ، ولم يعلّمونا أن نخاف من عتمة قلوبنا والشرّ في دواخلنا.

علّمونا أن نخاف من الموت، ولم يعلّمونا أنّه عبور إلى الحياة.

علّمونا أن نخاف من الله، وأن نعبده خوفًا منه على مصالحنا ومصائرنا ولم يعلّمونا أن نعبده حبًّا به وأنّ الحبّ غاية وجودنا ووجود الكون.

علّمونا أن نخاف من الحبّ لأنّه كاسر للقلوب خؤون، ومفقد للعقول لعوب، ولم يعلّمونا أنّه أجمل عطايا الله به تتمّ أعجوبة الحياة وأغرودة الفرح.

لا يُقضى على الخوف بالاختباء عنه ولا بالهروب منه، لأنّه يغتذي من الاثنين. أمّا البوح به فيزيد من ثقل مروره ورعونة غروره.

إلّم يحمل الإنسان الخوف في قلبه، لن يحمله في عقله وكيانه، لن يجرؤ أن يطارده، لأنّه لم يجنّسه في بلاد أحلامه، ولم يرحّب به لاجئًا أونازحًا أو حتى ضيفًا عابرًا….

أمّا إذا سمح له بالعبور، فسيحمله هو لاحقا، ساخرًا منه ليجعله له عنوانًا ومسكنًا..آتيًا معه بكلّ الوساوس والمخاوف والمآزم، ليوهمه بأنّه حليف السلامة ومدبّر الهروب الى الأمام.

ما الحلّ والخوف مقلق الوجود ؟

قد يكون الحلّ وعي قيمة اللحيظات وتصنيع وقت الأمل بخواتيم سعيدة بالطريقة التي يراها المرء مناسبة له، أكانت إيمانًا أو شجاعة أو تسليمًا بما لا يد له فيه.

ويتطلّب طرد الخوف خوض المغامرة التي تفرضها الظروف بكامل الثقة بالذات أوّلًا وتاليًا بالآخر…

فلكلّ مرحلة رجالاتها…لهذا تكبر الشجاعة في العقل الذي يتحكّم بالأفعال وردّات الأفعال المبنيّة على إدراك يعرف ماهيّة النتائج.

ليست المغامرة القفز في المجهول والتنصّل من المسؤوليات المترتبة وتعليقها على علّاقة الظرف والحظ، بل هي تجاوز الخوف في عيون من تشدّ المرء إليهم مشاعر الأخوّة والإنسانيّة ومحاولة تبديله بيقين التخطّي في شريعة المنطق تحقيقًا لخلاص جمعيّ لا يؤمن بالخلاص الفردي.

لأنّ الخوف وباء معدٍ، ينتقل بمرور النظرة ويستغلّ ضعف اللمحة.

فتنقلب المغامرة هنا إلى اتخاذ أفضل الممكنات من القرارات في لحظة المباغتة حيث التوقّع يتحوّل واقعًا والشجاعة حينها تكون بتقبّل النتائج والعيش بموجب ما يمكن أن ينطلق منها.

والتسلّح بالشجاعة يكون بالصمود في وجه من يخيف أكان ظرفا أوشخصا أوثرثرة أو موقفًا. بقمع صور انكساراتنا غير المدعوّة الى مائدة الحاضر، وعدم استحضار ماضي هزائمنا القديمة من قبورها.

لا يُهزم الخوف بالصراخ ولا بالصمت الواشي المتقنّع بالحكمة الزائفة، بل يهزم بالمعرفة. ففي المعرفة يكمن المنطق، وللمنطق كامل الغلبة على الوهم، وحين يهزم الوهم، ينسحب الخوف الذي لا يعود ثمّة حجّة لبقائه ولا حاجة، فيخجل ويغيب، وربّما ليتقنّع بوجه آخر…أو ليقبض على ضعيف آخر.

فلا يمكن أن يُهزم الخوف إلّا بأقانيم ثلاثة: حبّ وإيمان ومعرفة.

نشر المقال في جريدة الأنوار في شهر آب 2014..